تشغيل صوتي مباشر من المتصفح بدون أي ملف صوتي أو تحميل إضافي.
الانحياز (bias) في هذا الدرس ليس وصفاً لشخصيتك، بل نمطٌ متكرّر رُصد في سجلّات تداول حقيقية لآلاف الحسابات: قرارٌ يميل في اتجاه واحد أكثر ممّا تفسّره الأرقام وحدها. والفرق بين العبارتين يحكم الدرس كلّه. فالنمط يُقاس في سجلّ، ويمكنك أن تبحث عنه في سجلّك أنت؛ أمّا الصفة الشخصية فلا تُقاس، ولا يقول هذا الدرس عنك شيئاً منها.
هذا القسم يأتي قبل النتائج عن قصد. فأكثر ما هو معروف عن هذه الأنماط جاء من سجلّات وسطاء أسهم في الولايات المتحدة، وأكبر هذه الدراسات تحلّل سجلّات من ١٩٨٧ إلى ١٩٩٣. وحين تأتي نتيجة من سجلّات تداول عملات للأفراد، يقول الدرس ذلك؛ وحين لا تأتي منها، يقوله أيضاً. والغاية أن تعرف عند نهاية الدرس أيّ النتائج يخصّ حساباً كحسابك، وأيّها مستعار من سوق أخرى. والشكل التالي يبيّن ذلك لكل نمط من الأربعة، ومنها الخوف من فوات الفرصة (FOMO) والثقة الزائدة (overconfidence).
خريطة ما قيس فعلاً: نمط واحد له دراسات، ونمطان بلا قياس
هو الميل إلى بيع ما ربح مبكراً، والإبقاء على ما خسر طويلاً، ويُعرف في الأدبيات باسم (disposition effect). وهو أكثر الأنماط الأربعة توثيقاً. ففي دراسة نُشرت سنة ١٩٩٨ في مجلة The Journal of Finance، حلّل الباحث سجلّات تداول ١٠٬٠٠٠ حساب لدى شركة وساطة أمريكية منخفضة العمولة بين ١٩٨٧ و١٩٩٣، فوجد تفضيلاً قوياً لتحقيق الأرباح على تحقيق الخسائر. ولم يفسّره سعيُ المستثمرين إلى إعادة توازن محافظهم، ولا تجنّب تكلفة تداول الأسهم منخفضة السعر. والأهمّ أنّ الأسهم الرابحة التي باعوها استمرّت في الأشهر التالية تتفوّق على الخاسرة التي احتفظوا بها. وهذا لا يعني أنّ كل إغلاق مبكر لرابح خطأ؛ يعني أنّ الميل في المتوسّط كان في اتجاه واحد، وأنّ ما بِيع كان أفضل ممّا أُبقي. والمجتمع هنا مستثمرون في أسهم أمريكية، لا متداولو عملات.
أمّا الدراسة التي تقترب من حسابك فهي ورقة عمل نشرها بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند سنة ٢٠١٦، ونُشرت لاحقاً في مجلة Review of Financial Studies. واستعملت سجلّات متداولي عملات أفراد لدى نحو خمسين وسيطاً، جمعتها شبكة اجتماعية للمتداولين بين أوائل ٢٠٠٩ وديسمبر ٢٠١٠، وشملت العيّنة المحلَّلة ٢٬٥٩٨ متداولاً. ووجدت أنّ انضمام المتداول إلى تلك الشبكة يكاد يضاعف هذا الانحياز في أوامر السوق (market order) التي ينفّذها. وقال الباحث إنّ هؤلاء المتداولين يبدون ممثّلين لمتداول العملات المعتاد في الولايات المتحدة والبلدان الناطقة بالإنجليزية. وتفسير الباحث المقترح أنّ مشاركة الصفقات مع الآخرين تجعل للربح المُعلن قيمةً اجتماعية، فيميل المتداول إلى إغلاق ما يمكن روايته نجاحاً، وتأجيل ما لا يُروى. وهذا تفسير الباحث للنتيجة، وينقله الدرس كما هو. فهي نتيجة عن عملات، وعن أفراد، لكنها عن شبكة واحدة وفترة واحدة ومجتمع غير مجتمعك.
لأنّ الاحتفاظ بصفقة خاسرة بعد وقفها يحوّل خسارةً قدرها −١R إلى ما يقرّره السوق. خذ مثالاً افتراضياً من الحالة الثانية في الدرس الثاني من هذا المستوى: عشر صفقات، نصفها رابح بـ+١R ونصفها خاسر بـ−١R، فالشهر متعادل قبل التكلفة. والآن الشهر نفسه، مع فارق واحد: صفقة خاسرة واحدة أُلغي وقفها، فأُغلقت عند −٣R.
| الوقف نُفّذ في كل مرّة | خاسرة واحدة تُركت حتى −٣R | |
|---|---|---|
| الصفقات الرابحة | ٥ × +١R = +٥R | ٥ × +١R = +٥R |
| الصفقات الخاسرة | ٥ × −١R = −٥R | ٤ × −١R + (−٣R) = −٧R |
| الشهر قبل التكلفة | صفر | −٢R، أي −٧٥٠ ريالاً |
صفقة واحدة من عشر غيّرت الشهر من التعادل إلى خسارة قدرها ٢٪ من الحساب، قبل أيّ تكلفة. وما يلزم لاسترجاع خسارة أكبر من ذلك جدولُه في الدرس الثالث من هذا المستوى. وإذا أضيفت تكلفة ٠٫١٠R لكل صفقة، كما في الدرس الثاني من هذا المستوى، صار الشهر الأول −١R والثاني −٣R. فهذا النمط مكلف بسبب الحساب في الدرسين الثاني والثالث من هذا المستوى، لا لأنه عيب في الطبع.
رسم توضيحي، غير الشهر المحسوب أعلاه: الرابح يُغلق مبكراً عند ربح صغير، والخاسر يُترك يتجاوز وقفه
اسحب الرسم أفقياً لرؤيته كاملاً على الشاشات الصغيرة
التداول الانتقامي هو زيادة الحجم أو عدد الصفقات بعد خسارة لتعويضها بسرعة، والخوف من فوات الفرصة هو الدخول في حركة بدأت بالفعل خشية أن تفوت. هذان اسمان متداولان، لكن لم يُعثر أثناء إعداد هذا الدرس على دراسة منشورة تقيس التداول الانتقامي في سجلّات حسابات تداول، ولا على دراسة تقيس الخوف من فوات الفرصة فيها. ويقول الدرس ذلك بدلاً من استعارة رقم من مجال آخر.
الموثّق قريب من الموضوع لا فوقه، ويأتي من بيانات عقود الفروقات (CFD) والفوركس. فقد قدّرت هيئة السلوك المالي البريطانية (FCA) سنة ٢٠١٦، في عيّنة من حسابات عملاء التجزئة في عقود الفروقات، أنّ متوسّط خسارة العميل الذي أجرى أقلّ من ١٠٠ صفقة نحو ٤٠٠ جنيه إسترليني، ومتوسّط خسارة من أجرى ١٠٠ صفقة أو أكثر نحو ٣٬٥٠٠ جنيه. وعزت الهيئة الفارق إلى عدد الصفقات وحجمها. ووجدت هيئة الأوراق المالية والاستثمارات الأسترالية (ASIC) في بيانات السنة المالية ٢٠٢٣–٢٠٢٤ أنه كلّما زاد عدد المراكز ارتفعت نسبة الخاسرين، وارتفعت أكثر بعد احتساب الرسوم. ودرست ورقة عمل صادرة عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في الولايات المتحدة (NBER)، نُشرت لاحقاً في مجلة Journal of Financial Economics سنة ٢٠١٩، أثر قاعدة أمريكية دخلت حيّز النفاذ في أكتوبر ٢٠١٠، حدّدت الرافعة التي يقدّمها الوسطاء لعملاء التجزئة في الفوركس بـ٥٠:١ في الأزواج الرئيسية، فوجدت أنّ الخسائر الشهرية للأعلى استخداماً للرافعة تراجعت بنحو ٤٠٪. هذه أدلّة عن التكرار وعن الرافعة، مقيسةً على مجتمعات كاملة. وليست أدلّة عن الشعور الذي قد تعرفه في نفسك بعد خسارة.
أقوى صيغة متاحة لها لا تحتاج إلى بحث نفسي، لأنها حساب: الدرس الثاني من هذا المستوى أظهر أنّ ثلاثين صفقة لا تفرّق بين عملية رابحة وأخرى خاسرة. فالثقة الزائدة المبنيّة على ثلاثين صفقة ثقةٌ بما لا يستطيع السجلّ أن يقوله بعد. وهذه نتيجة يمكنك التحقّق منها بنفسك. وكلّما طال السجلّ ضاق هامش الخطأ، لكنّ الدرس نفسه أظهر أنّ أربعمئة صفقة على شكل +٢R / −١R لا تكفي بعد التكلفة.
معرفة اسم النمط لا تزيله، ولم يُعثر على مصدر يقول إنها تفعل. ما يمكن فعله هو أن تقيسه، لأنّ كل نمط في هذا الدرس يترك أثراً في سجلّ مكتوب. فالانحياز إلى إغلاق الرابح يظهر في الفرق بين متوسّط مدّة بقاء الصفقات الرابحة ومتوسّط مدّة بقاء الخاسرة. والوقف الذي لم يُنفَّذ يظهر في الخاسرات التي تجاوزت −١R، وعددها في سجلّ يحترم الوقف صفر، إلا ما تسبّبه الفجوات. والتداول بعد الخسارة يظهر في حجم الصفقة التالية لكل خسارة مقارنةً بحجم الصفقة التي سبقتها. ولا شيء من ذلك ممكن دون سجلّ مكتوب لكل صفقة، وهو موضوع درس يوميات التداول في مستوى الأساسيات.
ما لا يُقال لك عادةًأوضح استجابة لهذه المخاطر لم تأتِ من علم النفس، بل من الجهات التنظيمية، ووُجّهت إلى المنتج لا إلى المتداول. في سنة ٢٠١٨ قيّدت الهيئة الأوروبية للأوراق المالية والأسواق (ESMA) تسويق عقود الفروقات وتوزيعها وبيعها لعملاء التجزئة في الاتحاد الأوروبي بتدابير مؤقّتة، أعلنتها في مارس وبدأ تطبيقها في ١ أغسطس ٢٠١٨: حدود للرافعة عند فتح المركز من ٣٠:١ للأزواج الرئيسية إلى ٢:١، وإغلاق إجباري على مستوى الحساب عند ٥٠٪ من الحدّ الأدنى للهامش المطلوب، وحماية من الرصيد السالب على مستوى الحساب، وتقييد للحوافز، وتحذير موحّد يذكر نسبة الحسابات الخاسرة لدى الشركة. وانتهى العمل بهذه التدابير في ٣١ يوليو ٢٠١٩، بعد أن اعتمدت أكثر الجهات الرقابية الوطنية في الاتحاد تدابير دائمة لا تقلّ عنها صرامة. وعلّلتها الهيئة بقلق جدّي على حماية المستثمرين، من أسبابه الرافعة المفرطة وطريقة تسويق المنتج وتوزيعه. وفي المملكة المتحدة تحظر قواعد الهيئة البريطانية على الوسيط أن يقدّم لعميل التجزئة أيّ حافز نقدي أو عيني عند تسويق هذه المنتجات. هذه قواعد كُتبت للمنتج ولمن يبيعه، لا لشخص بعينه. فإن وجدت في سجلّك أحد أنماط هذا الدرس، فالقواعد المذكورة هنا لم تعالج هذه المخاطر بنصائح للمتداولين، بل بقيود على المنتج وطريقة بيعه.
إن كنت تتابع التداول في مجموعات عربية على تطبيقات المراسلة أو منصّات التواصل، يتبادل فيها الأعضاء صفقاتهم ونتائجهم، فهذا الجمع بين شبكة اجتماعية وصفقات ظاهرة للآخرين هو ما درسته ورقة العمل الصادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند تحديداً، على منصّة واحدة غربية للعملات، فوجدت الانحياز إلى إغلاق الرابح يكاد يتضاعف. ولم يُعثر على دراسة تقيس شيئاً من ذلك في مجموعات عربية، ولا يقول هذا الدرس إنها مثلها. يقول فقط إنّ الشكل نفسه هو الذي قيس، وإنّ النتيجة هناك كانت في اتجاه واحد. وهناك سؤال يجيب عنه سجلّك دون حاجة إلى دراسة: هل تغيّرت مدّة إبقائك الصفقات الخاسرة بعد أن بدأت تشارك صفقاتك مع آخرين؟
تنبيهالتداول بالرافعة على عقود الفروقات ينطوي على مخاطر عالية، وقد تخسر كامل المبلغ الذي أودعته. هذا الدرس شرح تعليمي لطبيعة المنتج، وليس توصية بالتداول ولا نصيحة استثمارية.
الدرس التالي في هذا المستوى يطبّق ما سبق على ما يُعرض عليك من الخارج: كيف تحكم على أي خدمة إشارات.