هل تداول الفوركس حلال أم حرام؟ ما قرّرته المجامع الفقهية، وما يعنيه لحسابك
تنبيه: هذه الصفحة معلومات تعليمية تعرض ما قرّرته هيئات فقهية بنصوصها المنشورة، وليست فتوى ولا حكماً على حالتك أو على وسيط بعينه. اعرض واقعتك على عالم تثق بعلمه، ومعك تفاصيل عقدك.
باختصار:
- مبادلة العملات في أصلها جائزة بشروط «الصرف»، وأهمّها التقابض وقت العقد.
- قرّر مجمع الفقه الإسلامي الدولي أنّ البيع الآجل للعملات لا يجوز، وأنّ العقد على تسليمٍ آجل يمكن تصفيته بعقد معاكس، دون تسليم وتسلّم فعليين، غير جائز أصلاً.
- وقرّر المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي سنة ٢٠٢٤ أنّ «المتاجرة بالعملات على وجه المجازفة (الفوركس) بهدف تحصيل فروق السعر» دون تحقّق القبض لا تجوز شرعاً.
- «الحساب الإسلامي» يلغي فائدة التبييت، لكنّه لا يجيب وحده عن سؤال القبض.
أولاً: المحاذير الثلاثة التي يدور عليها الكلام
الربا. قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وفي مبادلة العملات يدخل الربا من بابين: الزيادة المشروطة على المال، وتأخير القبض في الصرف.
الغرر. نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر (عن أبي هريرة رضي الله عنه، رواه مسلم)، والغرر جهالةٌ في العقد قد تفضي إلى نزاع أو ظلم.
الميسر. وهو المراهنة على نتيجة غير مؤكّدة، يكون فيها كسب طرفٍ خسارةً للآخر.
ثانياً: قاعدة الصرف وشرط التقابض
الأصل في مبادلة العملات حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه في الأصناف الستّة، وفي آخره: «فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد» (رواه مسلم). فإذا بادلت عملةً بعملة أخرى (دولاراً بيورو مثلاً)، جاز اختلاف المقدار، أي سعر الصرف، واشترط أن يكون التبادل يداً بيد، بلا تأجيل.
والعملات الورقية تأخذ أحكام الذهب والفضة. قرّر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الثالثة بعمّان (١١–١٦ أكتوبر ١٩٨٦)، في القرار رقم 21 (3/9)، أنّ العملات الورقية:
«نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام: الربا، والزكاة، والسلم، وسائر أحكامها.»
ثمّ أكّد المجمع هذا القرار في سياق تجارة العملات تحديداً، في القرار رقم 102 (11/5) «بشأن الاتجار في العملات» (الدورة الحادية عشرة، المنامة، ١٤–١٩ نوفمبر ١٩٩٨)، وجاء فيه:
«لا يجوز شرعًا البيع الآجل للعملات، ولا تجوز المواعدة على الصرف فيها. وهذا بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة.»
ما الذي يُعدّ قبضاً؟ للمجمع نفسه قرارٌ في القبض، رقم 53 (6/4) (الدورة السادسة، جدة، ١٤–٢٠ مارس ١٩٩٠)، عدّ فيه القيد المصرفي من صور القبض الحكمي، ومن حالاته:
«إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حال شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل.»
ثالثاً: العقود التي تُصفّى بعقد معاكس
في القرار رقم 63 (7/1) بشأن الأسواق المالية (الدورة السابعة، جدة، ٩–١٤ مايو ١٩٩٢)، وصف المجمع أربع طرق للتعامل بالسلع في الأسواق المنظّمة، وقال إنّ العملات يُتعامل بها بالطرق الأربع نفسها. في الطريقتين الأولى والثانية يتضمّن العقد حقّ تسلّم المبيع وتسلّم الثمن في الحال. والثالثة تسليمٌ مؤجّل يُشترط أن ينتهي بالتسليم الفعلي. أمّا الرابعة فهي:
«أن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمة في موعد آجل ودفع الثمن عند التسليم دون أن يتضمن العقد شرطًا يقتضي أن ينتهي بالتسليم والتسلم الفعليين، بل يمكن تصفيته بعقد معاكس. … وهذا العقد غير جائز أصلًا.»
وقال المجمع في العملات:
«ولا يجوز شراء العملات وبيعها بالطريقتين الثالثة والرابعة. أما الطريقتان الأولى والثانية فيجوز فيهما شراء العملات وبيعها بشرط استيفاء شروط الصرف المعروفة.»
وقال في المؤشّرات: «ولا يجوز بيع وشراء المؤشر لأنه مقامرة بحتة وهو بيع شيء خيالي لا يمكن وجوده.»
رابعاً: قرار رابطة العالم الإسلامي في الفوركس (٢٠٢٤)
في دورته الثالثة والعشرين بالرياض (١١–١٣ شوال ١٤٤٥هـ، ٢٠–٢٢ أبريل ٢٠٢٤)، أصدر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قراره الأول «المتاجرة في العملات عبر الوسائل الحديثة بما في ذلك المنصات الإلكترونية»، ومما جاء فيه:
«والمقصود بها: شراء العملات لبيعها بقصد الربح. … أولاً: الأصل في بيع العملات الحل إذا تم على وجه المصارفة بشروطها الشرعية، والتي من أهمها تحقق القبض وقت التعاقد، سواء أحصل هذا البيع بوسائل الاتصال الحديثة بما فيها المنصات الإلكترونية أم بغيرها، ويتحقق القبض بالقدرة على الانتفاع والتصريف بالعملة خارج سوق الصرف، فإذا تحقق القبض بهذا المعنى وقت إبرام العقد جاز البيع …
ثانياً: المتاجرة بالعملات على وجه المجازفة (الفوركس) بهدف تحصيل فروق السعر دون تحقق القبض المذكور أعلاه، لا يجوز شرعاً، وذلك للأسباب الآتية:
- لما يدخله من الربا بانتفاء القبض المشروع.
- لما يعتريه من مخاطرة تجعله في حكم القمار.
- لما تحدثه هذه المجازفات من أضرار بالاقتصاد والمصالح العامة.»
ولاحِظ أنّ القرار يحدّد القبض بمعيار صريح: القدرة على الانتفاع بالعملة والتصرّف فيها خارج سوق الصرف. وهو معيارٌ غير معيار مجمع الفقه الإسلامي الدولي، الذي عدّ القيد المصرفي في عقد صرفٍ ناجز قبضاً حكمياً.
خامساً: ماذا يعني هذا لحساب التداول عند الوسيط؟
هذه وقائع عن العقود، لا أحكام:
- يقدّم كثيرٌ من الوسطاء تداول الفوركس للأفراد عقودَ فروقات (CFD). في عقد الفروقات لا تشتري العملة ولا تملكها. تُغلق الصفقة بصفقة معاكسة، ويُسوّى الفرق نقداً في حسابك، ولا تُسلَّم إليك العملة. وقد شرحنا الفرق بين الشراء من الصرّافة والعقد المستقبلي وعقد الفروقات في درس الأكاديمية «ما الذي تشتريه فعلاً عندما «تتداول الفوركس»؟».
- فاسأل عن عقدك الأسئلة التي يطرحها قرارا المجمعين: هل تنتقل إليك العملة نفسها؟ وهل تستطيع الانتفاع بها والتصرّف فيها خارج المنصّة، كأن تحوّلها إلى حسابك المصرفي؟ أم أنّ الصفقة لا تنتهي إلا بصفقة معاكسة وتسوية للفرق؟
- مطابقة عقدك بما قرّرته هذه الهيئات هي ما تعرضه على من تستفتيه، ومعك نصّ العقد.
سادساً: رسم التبييت (السواب) و«الحساب الإسلامي»
رسم التبييت (السواب). إذا بقيت الصفقة مفتوحة بعد موعد التبييت اليومي، يُضاف إلى حسابك أو يُخصم منه مبلغٌ يُحسب من فرق أسعار الفائدة بين العملتين ومن حجم الصفقة. فهو مبلغ مبنيّ على الفائدة، سواء أُضيف إليك أو خُصم منك.
«الحساب الإسلامي» (Swap-Free). يلغي فيه الوسيط هذا المبلغ، ويعوّضه عادةً بإحدى طرق: رسمٌ ثابت عن كلّ ليلة، أو فرق سعر (سبريد) أوسع، أو مدّةٌ معفاة تُفرض بعدها رسوم.
ما يحلّه الحساب الإسلامي وما لا يحلّه:
- يلغي المبلغ المحسوب من فرق الفائدة، ويستبدل به عادةً رسماً أو سبريداً. هل يكفي البديل لإزالة الإشكال؟ هذا ما تسأل عنه من تستفتيه، ومعك بيان الرسوم المكتوب.
- ولا يغيّر وحده طبيعة العقد. فإن بقي عقد فروقات يُصفّى بعقد معاكس دون قبض، بقي سؤال القبض الذي تناوله القراران أعلاه كما هو.
- علامات تستدعي الحذر: رسمٌ «إداري» يرتفع بطول مدّة الصفقة أو بفرق الفائدة، أو غياب أيّ بيان مكتوب لكيفية حساب الرسوم.
وكذلك الإغلاق قبل موعد التبييت: يتجنّب رسم التبييت، ولا يغيّر وحده طبيعة العقد.
سابعاً: الرافعة المالية
الرافعة تتيح لك مركزاً أكبر من رصيدك، ويحتجز الوسيط جزءاً من رصيدك هامشاً. ولم نجد على موقعي الهيئتين المذكورتين قراراً يتناول الرافعة باسمها. وتذكر مصادر ثانوية قراراً للمجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي سنة ٢٠٠٦ في «المتاجرة بالهامش»، لم نجد نصّه على موقع الرابطة، فلم ننقل منه. وأقرب نصّ وجدناه قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في الأسهم: «لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشترى لقاء رهن السهم» [القرار 63 (7/1)]. فإن كانت الرافعة في عقدك قرضاً بفائدة، فهذا سؤال تعرضه على من تستفتيه بنصّه.
ثامناً: مصادر أخرى
لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) معيارٌ شرعي رقم (1) عنوانه بالإنجليزية «Trading in Currencies»، ومعناه بالعربية: المتاجرة في العملات. لم ننقل شيئاً من بنوده هنا، لأنّا لم نطّلع على نصّه.
تاسعاً: أسئلة تسألها قبل أن تتداول
- العقد: هل هو صرفٌ تنتقل فيه إليك العملة، أم عقد فروقات يُسوّى فيه الفرق نقداً؟
- القبض: هل تستطيع الانتفاع بالعملة والتصرّف فيها خارج المنصّة وقت العقد؟
- التأجيل: هل في العقد تأجيلٌ لأحد البدلين، أو مواعدةٌ على صرفٍ لاحق؟
- التبييت: هل في الحساب مبلغٌ محسوب من فرق الفائدة، بأيّ اسم؟
- الرسوم البديلة: هل هي ثابتة ومعلنة، أم تتغيّر بطول المدّة أو بفرق الفائدة؟
- الرافعة: هل هي قرضٌ بفائدة؟
- الاستفتاء: اعرض إجاباتك ونصّ العقد على عالمٍ تثق بعلمه.
المصادر
- مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرار رقم 21 (3/9) بشأن أحكام النقود الورقية وتغيّر قيمة العملة، الدورة الثالثة، عمّان، ١١–١٦ أكتوبر ١٩٨٦: iifa-aifi.org/ar/1679.html
- مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرار رقم 53 (6/4) بشأن القبض، الدورة السادسة، جدة، ١٤–٢٠ مارس ١٩٩٠: iifa-aifi.org/ar/1792.html
- مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرار رقم 63 (7/1) بشأن الأسواق المالية، الدورة السابعة، جدة، ٩–١٤ مايو ١٩٩٢: iifa-aifi.org/ar/1845.html
- مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرار رقم 102 (11/5) بشأن الاتجار في العملات، الدورة الحادية عشرة، المنامة، ١٤–١٩ نوفمبر ١٩٩٨: iifa-aifi.org/ar/2035.html
- المجمع الفقهي الإسلامي، رابطة العالم الإسلامي، الدورة الثالثة والعشرون، الرياض، أبريل ٢٠٢٤، القرار الأول: themwl.org (النصّ منشور صورةً على الصفحة)
إخلاء مسؤولية: المحتوى تعليمي، ولا يُعدّ فتوى ولا نصيحة استثمارية، ولا حكماً شرعياً على أيّ وسيط بعينه. التداول بالرافعة ينطوي على مخاطر عالية قد تصل إلى خسارة كامل ما تودعه.